-->

حرية الإرادة و إشكالية الشر و المعاناة البشرية

حرية الإرادة و إشكالية الشر و المعاناة البشرية

    حرية الإرادة و إشكالية الشر و المعاناة البشرية 

    حرية الإرادة و إشكالية الشر و المعاناة البشرية

    من الأمور التي تشكل مصدرا لكثير من التساؤلات لدى كثير من الناس بمختلف أعمارهم هي مسألة الشر و المعاناة البشرية في العالم. لا شك أن الحروب و الكوارث و المجاعات و كل المعاناة التي حصلت منذ عديد السنين قد تسببت بتساؤلات مبررة لكل منا. لماذا يحصل كل هذا القتل و الموت في العالم؟ مالعبرة؟ لماذا تموت طفلة تحت أنقاض مبنى تم قصفه بصاروخ؟ لماذا يغرق شيخ مسن بفيضان عارم؟ لماذا يموت غزال صغير في حريق غابة؟

    إحدى أهم الإشكاليات التي طرحها فلسفيا و منطقيا الجانب الملحد هي مشكلة الشر (The Problem of Evil) أو مشكلة المعاناة. بشكل ملخص, هي دعوى أن وجود الله يتعارض مع وجود الشر. هذه المسألة تشكل هم كبير لدى بعض الشباب المؤمنين و للأسف كانت أسباب لدى العديدين أن يلحدوا بعد خوضهم تجارب قاسية أو بعد تأملهم لأحداث العالم الفظيعة و إستنكارهم للأهوال التي نراها بشكل يومي.

    قبل أن أبدأ تناول هذه المسألة, أرجو من القاريء ان يضع الأمور التالية بعين الإعتبار:

    أولا: سأتناول مسألة الشر من محورين: المحور المنطقي العقلاني و من ثم المحور العاطفي الأخلاقي. الهدف هو تبيان أن وجود الشر البشري و المعاناة الدنيوية قضيتان لا تنافيان وجود خالق أو تناقضان صفتي القدرة و الرحمة الإلهيتان.

    ثانيا: هناك نوعين من الشر, الاول هو الشر البشري المصطنع كالجرائم و الحروب, و الثاني هو الكوارث الطبيعية كالزلازل و الأعاصير. و الحقيقة أنني أتحفظ على تسمية الشر حينما يتعلق الأمر بالكوارث الطبيعية, فالعاصفة ليست فعل شرير حتى لو تسببت بمعاناة بشرية أو حيوانية. و أريد أن أضع الأمراض بين الإثنين لإن هناك أمراض يتسبب بها البشر لتغييرات في أسلوب حياتهم و هناك أمراض تتسبب بها الجراثيم او الطفيليات.

    ثالثا: لا ادعي الحياد, فأنا مؤمن, لكن مروري بتجربة شخصية مع الإلحاد اعطتني أفق أوسع و حرية أكبر في التحري عن مسألة الشر. ولا زلت إلى اليوم أحاول أن أطبق قاعدة سقراط بأن أذهب أينما تأخذني الأدلة.

    رابعا: لن أدخل في تفاصيل إسلامية عن القدر و مشيئة الله, هذا مبحث لتدوينة أخرى, لكن و لكي يطمئن القاريء المؤمن و اللامؤمن, أريد ان أصرح بأن أيماني يقترب لإيمان المعتزلة في أن الله خلقنا أسيادا لمصائرنا و أن الإنسان مخير و ليس مسير. لا شك أن ذلك يتعارض مع النظرة الاسلامية التقليدية التي يقابلها ما يعرف بالخطة الإلهية في المسيحية بأن البشر محكومون بقدر و مجبرون على اتباعه. لكنني أرى أن الجبرية أو الإيمان بأن الله يرسم لنا أقدارنا هي أمور تناقض فهمي و فهم غيري للقرآن. التدخل الرباني بشكله الكلاسيكي يتنافى مع مبدأ مهم في الأديان الإبراهيمية و هو مبدأ العدالة الربانية. بالنسبة لي فإن مشيئة الله تجلت بأن شاء الله أن يجعلنا نشاء, بأن أعطانا حرية الإرادة و حرية تقرير المصير. و لا شك بالنسبة لي أن التدخل الإلهي تجسد بالديانات السماوية التي تحمل في طياتها مباديء أخلاقية تعين البشر و ترشدهم في وجودهم الدنيوي.

    خامسا: هناك العديد من المسائل الفلسفية و العلمية المثارة في مسألة وجود خالق من عدمه, و قد غطيت مسألة الثوابت الكونية و الكون المحكم و الدقيق الصنع في مدونتي, لكن لا يتسع المقام هنا للمزيد. أنا هنا أتناول إشكالية إدعاء أن المعاناة بحد ذاتها دليل على عدم وجود خالق.

    المحور العقلاني (الفلسفي و المنطقي)
    يعتبر إيبيكيوروس (Epicurus) أول من تكلم في مسألة الشر و تناقض ذلك مع رحمة الله, و أقول رحمة الله لأنه من غير الواضح أذا إيبيكوروس كان ملحدا صرفا. بل ربما يكون قد آمن بإله (كما ذكر بعض المؤرخين) لكنه لا يرى أنه قدير كليا (omnipotent) أو عليم بشكل مطلق (omniscient). يقول ابيكيوروس: إذا كان الله راغب ان يمنع الشر لكنه لا يستطيع, اذن فهو غير قدير. و إذا كان يستطيع منع الشر لكنه غير راغب, اذن فهو شرير. و إن كان غير قادر و غير راغب أن يمنع الشر, كيف يكون إله؟

    و أبرز من تابع هذه الحجة في عصور التنوير الأوروبية هو الفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم ( David Humeتوفي عام 1776). و من ثم وضع الفيلسوف الأسترالي المعاصر جون ماكي (John Mackie توفي عام 1981) هذه المعادلة الكلامية, و لنسميها التركيبة A:

    الله قادر على كل شيء
    الله رحيم و خيّر
    الشر موجود
    بمعنى أنه لا يمكن أن يسمح الله أن يوجد شر في العالم, لكن الشر موجود, إذن لايوجد خالق للكون.

    نلاحظ هنا ان ماكي يفترض ان هذه المعادلة من الجمل متناقضة و غير متناغمة. بمعنى ان المؤمن ان كان عقلانيا يجب ان يعي أن هذه التركيبة تحتوي تناقض. قد يبدو للوهلة الأولى أن هناك تناقض ضمني أو غير مباشر. لكن من قواعد علم المنطق أنه لكي يحصل تناقض, يجب أن يكون التناقض واضح و صريح. إحدى الطرق لإثبات وجود تناقض هي وجود جملة تنفي الأخرى أو الأخريتين. منطقيا, هذا غير حاصل بشكل صريح أو رسمي في حالتنا هذه. فمثلا لو إننا إستعملنا طريقة النفي الرياضي كما سنفعل هنا:

    الله غير قدير
    الله غير رحيم
    الشر غير موجود
    سيتضح لنا أكثر عدم وجود تناقض. لا وجود لجملة تناقض الأخرى. فلنتذكر, نحن نتعامل هنا بمنطق رياضي.

    هل بسماح الله للشر أن يحدث في العالم تناقض صريح و واضح مع رحمته؟ هل يعلم الملحد قطعا أن عدم تدخل الله للقضاء على الشر و المعاناة غير مبرر بسبب قوي؟ اليست هناك أمكانية أن يتحقق شر كبير أكبر من الشر الأول إذا تدخل الله؟ أليست هناك إمكانية لإلغاء خير أكبر و أعم من الشر الأول إذا تدخل الله؟ أليست هناك إمكانية بأن يخل الله بشرط أخلاقي أساسي و مهم إذا تدخل؟ و أخيرا, هل هناك إمكانية وجود سبب دامغ و وجيه يجعل الله لا يتدخل خاصة أن علمنا أن القدرة المطلقة تعني العلم المطلق؟ سبب لا يعلمه الناس لكن يستطيعون إستنباطه منطقيا؟

    الفيلسوف الأمريكي آلفن بلانتينغا (Alvin Plantinga) طرح ما يجب أن تكون عليه تلك التركيبة A لكي تصبح قابلة للتحليل المنطقي:

    الله قادر أن يفعل أي شيء ضمن ما هو منطقي
    الله رحيم
    الشر موجود
    الإله القادر و الرحيم يسمح للشر بالحدوث اذا كان منعه يتسبب بحدوث شر أكبر أو يمنع حدوث خير أكبر
    و يبرر بلانتينغا هذه التركيبة الغير متناقضة بما يعرف بحجة حرية الإرادة (Free will defense) و هي:

    1. ان وجود عالم تكون حرية الإرادة ممكنة فيه لكائنات واعية يعني بالضرورة أن الشر الناتج عن الإختيار سيحدث.
    2. وجود عالم تستطيع فيه الكائنات الواعية ممارسة حريتها و إختيار العمل الصالح بالإجمال هو أفضل من عالم لا تستطيع فيه ذلك. لا فائدة أن تكون البشرية محرومة من حرية الإختيار بشكل يجعلها دائما تفعل الخير إجبارا. فعل الخير إجبارا فيه معضلة أخلاقية لأننا سنصبح مبرمجين او مأطرين تأطير قسري لفعل الخير. هذا سيجعلنا نفقد قيمة مهمة جدا هي صفة التفرد الإنسانيةالتي يتميز بها كل شخص منا عن الآخر. بل هكذا عالم سيحرمنا من التحلي بقيم أخلاقية هي قمة في الرقي كما سنرى بعد قليل.
    3. لا يمكن اعطاء البشر حرية الإختيار و من ثم يفرض عليهم إختيار العمل الصالح و منعهم من العمل الطالح. إذا أفترضنا أن الله يفرض اختيار العمل الصالح على البشر بطريقة ما–قد تكون خلقهم بمنظومة عقلية و أخلاقية خارقة–فذلك يعني إنعدام الخيارات, و إذا إنعدمت الخيارات إنعدمت الحرية.
    4. الحرية حق بشري ينتج عنه أن كثير من البشر حتى إن لم يكونوا الأكثرية سيمارسون حقهم و يختارون العمل السيء اللاأخلاقي. و هنا اتى مصدر الشر الإنساني.
    5. أن حقيقة إمتلاك البشر لعقول واعية مع حرية إلارادة تفسر شرورهم تجاه بعضهم البعض. كون هناك وعي و حرية إرادة يعني بالضرورة أن هناك من سيسيء أستخدام عقله و سيسيء إستعمال قدرته على الإختيار فيؤذي الآخر.
    6. حقيقة وجود شرور إنسانية ناتجة عن قرارات خاطئة لا تعني انها تناقض كون الله موجود بصفتيه الإلهيتين (القدرة و الرحمة). كان يمكن أن يطمس الله كل مصادر العمل الشرير و لكن هذا يعني تلقائيا إلغاء مبدأ الحرية و إلغاء إمكانية العمل الصالح الطوعي.
    7. بعض الفلاسفة لكي يناقضوا حجة الإرادة الحرة قالوا: “بما أن الله قادر على كل شيء, لماذا لم يخلق بشرا أحرارا و قادرين على اتخاذ قرارات صحيحة دائما؟”. هذا السؤال يعيدنا لمسألة التخيير و التسيير. سؤال يفترض الحرية مع الإختيار الدائم للخير بدون أي استثناء هو سؤال متناقض بحد ذاته. هذا السؤال ينفي الحاجة للتعلم الذاتي و يفترض أن تزويد البشر بالحرية و العلم المطلق و الأخلاق الكاملة لا يتنافى مع الحرية. لو كان ذلك هو الواقع فهذا يعني البرمجة بكل ما تعني الكلمة من معنى. البرمجة على فعل الصواب حتى يصبح لا معنى أو إستشعار لما خطأ. و إن كانت إمكانية الخطأ معدومة فسيظل الخطأ مجهول تماما. بدون الشر لن تعرف قيمة الخير.
    8. اذا كان الله هو المسير لعمل إنسان فهذا يعني أن الإنسان لا حرية له. لذلك فأن العمل الحر هو ناتج عن إرادة إنسانية حرة. هذا يعني أن عواقب اي عمل هي نتيجة طبيعية يتحمل وزرها الفاعل البشري اذا كانت خاطئة, و يحاسب عليها أن أثرت سلبا على محيطه البيئي و البشري.
    إذن, لا وجود لتناقض منطقي صريح و رسمي لوجود خالق قدير و رحيم مع وجود شر في الدنيا. و لا يستطيع الفيلسوف الملحد أن يدعي التناقض بدون إثبات ذلك بشكل قطعي. بمعنى, إن على الفيلسوف الملحد أن يثبت بما لا يدعو للشك, أن لا مبرر و لا فائدة و لا سبب يجعل الخالق يسمح بحدوث شرور و معاناة في العالم. من منطلق بديهي بأن البينة على من ادعى, فأن عبء إثبات التناقض يقع على كاهل الملحد. وهذا مستحيل لأن على الفيلسوف الملحد ان يثبت بأن لا فائدة حالية أو مستقبلية للمعاناة البشرية, بأن هذه المعاناة عبثية و لن يكون لها أي فائدة فردية أو جمعية نهائيا.
    عدم وجود تناقض رسمي و صريح يجعل حجة الفيلسوف الملحد بان وجود الشر في العالم ينفي وجود الله حجة ظنية لا أساس منطقي لها خاصة انه لا يستطيع إثبات إدعاؤه هذا.
    المحور العاطفي الأخلاقي
    لقد تناولت الديانات الإبراهيمية موضوع المعاناة البشرية في عدة نواحي تتجلى قصة أيوب فيها كمثال على الصبر على المعاناة و المصائب. و لا شك أن الكثيرين يرون في الإيمان الهاما للصبر و السلوان. و لكننا هنا بصدد التفكر و التأمل لنعلم ما وراء كل هذا الشقاء و الموت في هذا العالم. بلا شك، حرية الإرادة هي الحجة الفلسفية الأقوى للرد على إشكالية الشر و المعاناة و دحض التناقض المزعوم أن وجود الشر ينافي وجود خالق قدير و رحيم. كيف؟
    اذا كان الله هو المسير لعمل الإنسان فهذا يعني أن الإنسان لا حرية له. هذا يفضي إلى أن الله حرم الإنسان من أهم حق كوني, حق أن يقرر الأنسان مصيره و يختار طريقه. لذلك فأن العمل الحر هو ناتج عن إرادة إنسانية حرة و عواقب هذا العمل هي نتيجة طبيعية يتحمل وزرها الفاعل البشري اذا كانت خاطئة و يحاسب عليها إذا أثّرت سلبا على محيطه البيئي و البشري.
    حين يجتمع الوعي الإنساني مع الحرية فإن النتيجة الحتمية ستكون أخطاء بشرية, منا من يخطيء و يختار طريق سيء في حياته و منا من سيختار طريق الصواب. منع الله الأنسان أن يؤذي غيره حين يختار طريق الشر يعني أن الأنسان مسير و مجبر على فعل الخير دائما و أبدا. الإجبار سيكون هو الحل الوحيد لدى الله بأن يخلق بشرا لا يخطئون أبدا عن طريق تزويدهم بشيئين: الشيء الأول هو خلق أدمغة متناهية الذكاء و منذ الولادة لكي تمكنهم من التغلب على المخاطر الطبيعية عن طريق إختراعات عبقرية. و الشيء الثاني هو أن يزود الله كل البشر بأرواح سامية ذات معايير أخلاقية صارمة تجعلنا نسير على الجانب الخير في الحياة بدون إرتكاب أي خطأ أخلاقي. هذا عزيزي القاريء يعني أننا سنكون مبرمجين للصواب و الخير بشكل سيجعل حياتنا الدنيوية أوتوماتية خالية من أي خيار, و هذه معادلة جبرية يسميها جون كالفن (توفي عام 1564) بالحرمان التام، او بمعنى آخر الإنقياد التام. كائنات لا حول لها و لا قوة صنعت لتسير ضمن خط واحد لا تحيد عنه.
    إن ضمان حرية الإرادة في أي كون يترتب عليه منطقيا و حتميا حصول شر و معاناة. تزويد البشر بقدرات عقلية شبه خارقة أو عبقرية منذ ولادة كل منهم غير كافية لمنع الشر, لأن العبقرية لوحدها غير كافية لمنع الشر. و قد تعلمنا من التاريخ أن العباقرة قد يكونون افظع الأشرار كما كان هتلر و غيره من القادة المتفوقين ذهنيا. بل أن القنبلة الذرية هي نتاج تضافر جهود عبقرية من علماء تسببوا فيما بعد بمقتل مئات الآلاف في اليابان. كما أن تزويد البشر روحيا بمنظومة وجدانية أخلاقية صارمة منذ ولادة كل فرد فيهم تعني بالضرورة حرمانهم من الحرية. يعني ذلك أن تتحول الحياة إلى حالة إنقيادية (Automata) أو وجود روبوتي ممسوخ لا قيمة فيه لقيم كالتعاطف و الشجاعة و التضحية. لا وجود فيه للرغبة الذاتية للسعي نحو الأفضل. لماذا لأن الافضل تحقق منذ البداية فما عاد هناك لغاية أسمى أن تتحقق.
    هذا لا يعني أن البشر لن يصلوا ابدا لتلك الحالة السامية من الوجود. بل قد يستطيع البشر ان يصلوا للرقي الفكري و المستوى الأخلاقي العالي الذي يطمح له أي أنسان عاقل و ذو ضمير حي، لكن لن نصل لذلك كبشر بدون انسنة ذاتية. بل إن نملك الأدوات الأخلاقية للوصول إلى ذلك. يجب أن يكون لنا نحن الخيار و الحرية للوصول لتلك الحالة من الحضارة و الاخلاقيات المثالية. و لن نصل للحاجة أن نكون أفضل بدون أن نعاني من غياب العلم و الأخلاق. الجهل و الشر يتضادان مع العلم و الخلق و لا يمكن ان نعي قصورنا و حاجتنا للعلم و الخلق بدون معاناة. بدون معاناة و تجربة مع الشر لن نتعلم و لن نشعر بالإنجاز. كيف تستمتع بطعم الحلاوة أن لم تتذوق طعم المرارة؟ ما المغزى من حياتك إن لم يكن لك ضلع في بنائها؟ إذا لم نكن نحن من صنعناها بعد مسيرة جمعية نحو التعلم و التأدب الأخلاقي عبر الزمن؟ تلك المسيرة الذاتية التي تمر بطريق صعب نتعلم فيه كيف نحقق وجود أسمى عن طريق العلم و الأخلاق, او ما يسميه الفيلسوف البريطاني جون هيك (John Hick توفي عام 2012) ب”عملية صنع الروح الإنسانية”. نحن نحتاج للمعاناة من الشر لكي نتعلم أن الإلتزام الأخلاقي هو ما سيعيننا على التغلب على الشرور التي صنعناها. و نحتاج أن نعاني من الظواهر الطبيعية لكوكبنا لكي نتعلم أن العلم هو ما سيجعلنا نتغلب على العوامل الطبيعية لنتجنب أضرارها. لن نستطيع تحقيق ذلك كجنس بشري بدون تجارب خطية زمنية ممتدة عبر الأجيال. ماذا نقول عن اب يسجن أبناءه في بيته و يظل يراقبهم على مدار الساعة و يحرمهم من اي فرصة للتعرض لتجارب تصقل نموهم و تنميه حتى لو كان في ذلك تعريضا لهم للأذى. ما نوعية الأبناء الذين سينشأون ضمن تلك البيئة؟

    هناك بعض الفلاسفة الذين يطرحون فكرة أن عالم يجتمع فيه الوعي مع الحرية بدون معاناة قد يكون عالم مستحيل منطقيا تحقيقه. آيرينيوس (Irenaeus، توفي عام 202) طرح فكرة أن البشر لم يخلقوا كاملين و لكنهم يمتلكون الأدوات العقلية للسعي نحو الكمال العقلي و الاخلاقي. لأن النمو الأخلاقي المكتسب عبر العمل للتغلب على المعاناة افضل من دمج منظومة اخلاقية جاهزة مسبقا و حشوها في وجدان البشر. إن ما سينتج عن ذلك هو مخلوقات آلية أو أوتوماتية. و هناك ضريبة ضخمة ستنتج عن ذلك. أهمها أننا سنحرم من قيم عليا لن تتحقق بدون تكافل إنساني ناتج عن المعاناة.

    الفيلسوف الإنجليزي المعاصر ريتشارد سوينبيرن (Richard Swinburne) اوضح أن عيش البشر في كوكب مثالي لا ألم أو معاناة فيه سينتج عنه العيش في عالم عقيم لا يحتوي على قيم اخلاقية و عواقب سلوكية. مثلا بإمكانك أن تضرب شخص على رأسه بحجر لكي تلقي عليه التحية (لن يتألم) بدلا من مصافحة يده بنعومة. لا فرق, الخطوط مبهمة بين ما هو مقبول و ما هو غير مقبول. عالم لا معاناة و موت فيه افضل (من الناحية الأخلاقية) من عالم روبوتي لا معاناة أو موت فيه.

    بل ستختفي اخلاق مهمة في عالم أوتوماتي:
    التعاطف الذي ينتج عن الشعور مع الآخرين المتألمين لن يكون له داعي و بالتالي لن يكون له وجود.

    الفداء أو نكران الذات، الشجاعة بتعريض النفس للخطر من أجل الآخرين كرد فعل ضد الأخطار البيئية أو العدوان البشري لن تكون موجودة من الأساس في عالم مريح و لا خوف فيه من أذى.

    الكرم الحقيقي الذي ينتج عن وجود فقر و حرمان مادي في عالم غير كامل لن يكون ممكنا في كوكب لا حاجة أو عوز فيه.

    لنأخذ الموت مثلا, ذلك الحدث المؤلم و المخيف. لماذا علينا أن نموت؟ إن العمر القصير يدفع الإنسان أن يوجه طاقاته لإستغلال وقته نحو صنع حياة أفضل. لو كنا خالدين لا نموت فسوف نؤجل أي جهد أو عمل ذو فائدة. لم لا و نحن في تلك الحالة نستطيع تحقيق أي شيء في أي وقت. حينما لا يكون لدينا وقت كثير فسوف نسارع لفعل الخيرات. عالم بدون موت سيعني أن الكبار القدماء سيسيطرون على العالم بشكل سيجعل من كل الاجيال الجديدة تابعة و خاضعة بدون اي فرصة في إضافة أخلاقية أو علمية أو ثقافية تساهم في بناء الحضارة الإنسانية. لن يكون هناك تطور و حركة لعجلة التطور حضاري عبر الأجيال كما يحدث الآن.

    حكمة الله الإيمانية من الحرية
    بعبقرية فلسفية يقول جون هيك إن مسألة عدم حتمية وجود الله نفسها هي بحد ذاتها طريقة الله بان لا يجبرنا على الإيمان به. أذكر أنني حين قرأت هذه الجملة شعرت بالصدمة! لو لم يكن هناك أي شك بوجود الله (كأن يظهر لنا كل يوم او أن يجري معجزات بشكل مستمر) فإن ذلك سيجعل من إيماننا بالله مسألة تلقائية لا خيار لنا فيها. هذا سيضعنا في حالة من الوجود نكون فيها مراقبين فعليا و مجبرين فيها تماما على الإيمان. لكن الإيمان يجب أن يكون ذاتيا لكي ينتج عنه إنسان يختار بنفسه أن يكون صالحا. حرية الإختيار تفسها تعني أن مسؤولية الحياة سينتج عنها معاناة. كمعاناة الأبن الذي تتركه أمه في أول يوم مدرسة, إما أن يتكيف مع بيئة جديدة أو أن يبكي و يصرخ طالبا من أمه أن تأخذه للبيت. لكن المعاناة لا تنتج دائما أشخاصا جيدين؛ البعض في مواجهة احزان و آلام الحياة يتحول لإنسان سيء أو شرير. هنا نعود لحرية الإرادة. كل إنسان فينا يجب أن يقرر كيفية التعامل مع آلام و احزان الحياة و تجاربها التي قد تكون كارثية في بعض الأحيان، إلى أي مدى سيسمح لتجربة مؤلمة أو عنيفة أن تؤثر على نفسه؟ على كل إنسان فينا أن يختار, هل سيسمح للظروف أن تجعله إنسانا سلبيا أم سيتعلم و ينهض بنفسه و يصبح أقوى و أفضل من قبل. الخيار بين يديك, فماذا ستختار؟
    baba yaga
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع عين الابل .